
تجارب الأصلاح الشيعي المعاصر
[319]
تحدثنا في الفصل السابق من هذا الباب، عن ظاهرة الاصلاح في الوسط الشيعي، والعوامل المؤثرة فيها وعناصر العملية الاصلاحية في جانبها الاجتماعي والموضوعي بشكل عام. وفي هذا الفصل سنتناول إن شاء الله، المرجعيات الاصلاحية المعاصرة، والعناصر الأساسية فيها، وترابطها مع الأمة والواقع، والنتائج التي أحدثتها في مشاريعها الاصلاحية.
إن دراسة هذا النمط من المرجعيات يعني في حقيقته دراسة شخصية المصلح، فهو هنا الرجل الأول في العملية الاصلاحية، وهذا ما سنركز عليه في هذا الفصل، مع ذكر نماذج عن كل شخصية ومشروعها الاصلاحي خلال هذا القرن.
شخصية المصلح:
لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين المشروع الاصلاحي وبين الشخصية المتصدية له، فالمشروع الاصلاحي ليس وظيفة تشريفية تمنح لشخص معين، إنما هي مسؤولية كبيرة لا يتحملها إلا من يؤمن بها، ويمتلك مواصفات النهوض بها. وعلى هذا فلا يمكن أن نتصور أن لكل إنسان قدرة على القيام بمشروع إصلاحي، حتّى لو إمتلك مقومات الفكر والارادة والعقلية الناضجة والأفق الشمولي.
[320]
فهناك إلى جانب ما ذكرنا عناصر أخرى ترتبط بالجانب الشخصي للمصلح، وهي اقرب ما تكون إلى الموهبة، منها إلى التعلم والممارسة. فمن الممكن إعداد شخص ما ليكون عالماً بدرجة عالية في مجال تخصصي معين، ويمكن لهذا الشخص أن يكون فريد زمانه في مجال تخصصه، لكن ليس بالضرورة أن نجعل من هذا الشخص مصلحاً، لأن الاصلاح ببساطة حالة تكوينية مرتبطة بالشخصية، وليس عملية تثقيفية دراسية، أو فكرة نحاول أن نقنع بها الشخص ليكون مصلحاً.
ومن اجل إيضاح الفكرة نأتي على ذكر بعض النماذج، مع ضرورة التنبيه على حقيقة هامة، وهي أننا لا نقصد تفضيل الشخصية الاصلاحية على غيرها، فذلك امر له موازينه الخاصة.
لنأخذ مثلاً، شخصيتين من صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهما بلال الحبشي، وأبو ذر الغفاري رضوان الله عليهما. فهما من أوائل المسلمين ومن أبرار الصحابة، لكن الفارق بينهما كبير، فبلال عرف بصبره وقوة إيمانه وشجاعته وإخلاصه للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنه لم يترك في المجتمع الاسلامي أثراً مميزاً مختصاً به لاسيما بعد وفاة الرسول وبروز الفتن في المجتمع الاسلامي.
أما أبو ذر الغفاري فقد كان بطبيعته شخصية متحدية ترفض قبول الواقع المنحرف، وكان قبل لقائه بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يرى سخافة عبادة الأصنام، ويحاول أن يصلح الواقع الذي يعيش فيه. وقد تميزت حياته كلها برفض الخطأ والانحراف، ومحاولة الاصلاح ما إستطاع إلى ذلك سبيلا. فكان يجهر برأيه دون خشية أو خوف، وهذا ما ذكرته كتب السيرة والتاريخ عن مواقفه مع معاوية في الشام، فقد كان يجلس في المسجد يوجه إنتقاده لسياسة معاوية وسلوكه، ويبين للناس سنّة الرسول، وكيف أن الحكام والولاة في أرجاء الدولة إبتعدوا عنها وخالفوها، مما دفع معاوية إلى الطلب من الخليفة عثمان أن يبعده من الشام خوفاً
[321]
من نشاطه الاصلاحي الذي كان يعني تنبيه الناس إلى إبتعاد الحكام عن النهج الاسلامي الصحيح، في حين كان معاوية يحاول تجهيل الناس، وإبعادهم عن الإسلام الأصيل.
ولم يتخل أبو ذر عن موقفه الاصلاحي، فقد أُبعد من الشام إلى المدينة في رحلة شاقة كان القصد منها إيذائه، لكنه عندما وصل إلى المدينة واصل نهجه الاصلاحي، فكان يجلس في المسجد النبوي يتحدث للناس بما لا يرضي سياسة الخلافة، وفشلت كل محاولات الترغيب والترهيب معه، وقد غضب عليه الخليفة عثمان، فنفاه إلى الربذة وتوفي هناك وحيداً(1).
إن هذه المقارنة بين الصحابيين الجليلين بلال الحبشي وأبي ذر الغفاري، لا نقصد منها المفاضلة، ولكننا نريد أن نقول أن شخصية الغفاري كانت إصلاحية بطبيعتها، في حين لم يكن الحبشي مثله، والسبب يكمن في إختلاف طبيعة الشخصيتين، وخصوصياتهما التكوينية. فكل واحد منهما يفهم دوره ويدرك تكليفه من منظوره الخاص الذي ينسجم مع طريقة فهمه للحياة وقضاياها العامة.
ويمكن أن نرى الأمر نفسه يتكرر مع صحابة آخرين في الكثير من المواقف التي حدثت في صدر الإسلام، عندما إنتشر الصحابة في الأمصار، من أجل تعليم الناس القرآن الكريم وأحكام الشريعة الإسلامية. فكان منهم من يمارس عمله برتابة في حدود المهمة، دون أن يترك أثراً إصلاحياً مؤثراً يدفع بحركة الإسلام إلى الامام، وكان منهم من يتحرك بمشروع إصلاحي مؤثر.
ونجد في حياة كل إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام، عملاً إصلاحياً
_______________________
(1) راجع حول حياة أبي ذر الغفاري ومواقفه مع الحكام:
تاريخ الطبري، طبقات ابن سعد، تاريخ ابن خياط، تاريخ اليعقوبي، وغيرها من المصادر، وقد كتب عنه من المعاصرين: عبد الله السبيتي، وغيره...........
[322]
كبيراً، يهدف من خلاله إلى تثبيت المفهوم الاسلامي الأصيل كما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فحياتهم عليهم السلام بمجموعها تشكل مشروعاً إصلاحياً متكامل الحلقات. ويخطئ من يتصور أن بعض الأئمة قد إستطاعت السلطة الحاكمة في عصره أن تحجم دوره وأن تمنع حركته، مثل الامام الكاظم عليه السلام الذي قضى سنوات طويلة من عمره الشريف في السجن.
إننا نخالف هذا الرأي بشدة، فالامام لا يمكن أن تحجمه أية اجواء، و لايمكن أن تعطل دوره الاصلاحي أية قوة مضادة، حتّى لو وضع في مطمورة تحت الأرض لايعرف فيها الليل من النهار. فالأئمة مارسوا دورهم الاصلاحي تحت كل الظروف والأجواء، حتّى شهادتهم في السجن والسم كانت لها عطاءاتها الاصلاحية، لأنهم قدموا في حياتهم مشروعاً ممتداً لا يتوقف ولا يتحجم. فالامام الكاظم عليه السلام عندما إستشهد بالسجن، لم يكن موته مجرد نهاية رجل عظيم، بل كان ولادة حركة عظيمة تجددت فيها الأمة منذ الساعات الأولى لإعلان خبر وفاته، فلقد ماجت بغداد بأهلها حتّى خشي العباسيون على سلطتهم.
لا نريد أن نتحدث هنا عن تجارب الأئمة عليهم السلام في المجال الاصلاحي، فقد سبقت الاشارة اليها في الفصل السابق، لكننا سنأتي على ذكر شواهد أخرى في فترات مختلفة.
الآخوند الخراساني والسيد اليزدي:
في بدايات القرن العشرين، تظهر أمامنا صورة المرجعين الكبيرين الشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد كاظم اليزدي، فقد كانت لهما الزعامة الدينية بالدرجة الأساسية، وربما كان السيد اليزدي مقدماً على الشيخ الخراساني، لكنه لم يكن صاحب مشروع إصلاحي فكان مثل غيره من التقليديين.
[323]
أما الشيخ الخراساني فقد كان الاصلاح جزءً من حياته، وهماً من همومه، فلقد كان يسارع إلى الموقف الذي يدفع بالأمة إلى مستقبل أفضل من الناحية السياسية، وهو ما تمثل في قيادته للحركة الدستورية في ايران، كما مرّ بنا في الباب الأول من هذا الكتاب. وكان يتعامل من موقع الزعامة الحقيقية للأمة، وليس مجرد كونه مرجعا دينيا تتحدد مهامه في التدريس والفتيا، بل كان يرى أن المهمة الحقيقية لمرجع الدين هي الرعاية العامة للأمة في كل قضاياها وشؤونها، وهو المسؤول عن حاضرها ومستقبلها(1).
كان الفكر الاصلاحي للآخوند الخراساني، يتميز بالوعي السياسي الشامل، ولعل ظروف المرحلة التي عاشها هي التي تطلبت منه ذلك، فعندما إحتلت القوات الروسية، ايران عام 1911م، تصدى الآخوند الخراساني بكل قوة لهذا الانتهاك العدواني لبلاد المسلمين، وأصدر فتاواه وتعليماته وبياناته التي تميزت بالوعي السياسي الدقيق لمواجهة العدوان الروسي.
فقد كتب إلى القنصل الروسي في طهران يهدده بأن على روسيا الانسحاب من ايران دون قيد أو شرط، وأنه في حالة عدم موافقة حكومته على الانسحاب،
_______________________
(1) تناولنا بالبحث هذا الجانب في كتابنا: الزمن في حركة العاملين.
[324]
فانه سيعلن حكم الجهاد المقدس لكافة المسلمين في الأرض، وأن علماء الدين سيبذلون آخر قطرة من الدم دفاعاً عن بلاد المسلمين. وقد أثارت هذه الرسالة مخاوف الحكومة القيصرية في روسيا، وحاولت تهدئة موقف الآخوند، لكنه ظل على موقفه، بل أنه أخذ يسير في اتجاه العمل الثوري بصورة واضحة، فقد كتب إلى علماء الدين في تبريز يأمرهم بوجوب تعلم فنون القتال والتدرب على استعمال السلاح. وتعامل مع الأزمة بعقلية سياسية بعيدة الأفق، فقد أصدر فتواه بحرمة شراء البضائع الروسية، وقد شعرت الحكومة الروسية بجدية المخاطر، وقوة الموقف الذي يصنعه الآخوند، فطلبت من قنصلها في بغداد أن يفاوضه من أجل أن يخفف من مواقفه الصارمة، لكنه رفض اللقاء بالقنصل، وأخبر موفده بأنه لايملك الوقت الكافي لمقابلة القنصل، وإذا أراد شيئاً فليكتبه برسالة(1).
لقد إستطاع الآخوند أن يقود حركة الأحداث بكفاءة عالية، وتمكن من تعبئة
_______________________
(1) اخذنا هذه المعلومات من كتاب الاستاذ حسن شبر، تاريخ العراق السياسي المعاصر، الجزء الثاني، وقد إعتمد الاستاذ شبر على مصادر ووثائق باللغة الفارسية. فأثرنا الاعتماد على كتابه، وقد بحث في هذه الفترة مؤرخون آخرون مثل الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات إجتماعية من تاريخ العراق، الجزء الثالث، وكذلك عبد الحليم الرهيمي في كتابه تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، ولكني وجدت أن المعلومات التي ساقها الاستاذ شبّر أكثر دقة وتوسعاً.
[325]
الجماهير من اجل التوجه إلى قتال القوات الروسية في ايران، وقد حدث في يوم تحرك قوات المجاهدين ان توفي الآخوند بشكل مفاجىء، وقد أثيرت الشكوك والاتهامات حول وفاته بأنها لم تكن طبيعية، وأن من المحتمل جداً أن تكون مدبرة من قبل روسيا أو بريطانيا.
كتب السيد هبة الدين الشهرستاني وكان من تلامذته المقربين، ومن الذين ساروا على نهجه، فكان أحد المصلحين البارزين فيما بعد، كتب في مجلة العلم التي كان يصدرها عن وفاة الشيخ الخراساني يقول:
(كنا ليلة إرتحاله في محضره مع لفيف من أهل العلم حينما صلى العشائين جماعة، وهو في داره إلى ثلاث ساعات من الليل، وهو لا يشكو ألماً ولا سقماً، بل مشتغلاً بتصفية المحاسبات واداء الأمانات وموادعة الأحبة والوصية لصحبه وإولاده، فانها كانت آخر ليلة من لبثه في النجف، أو في الدنيا بالحقيقة. فانه طاب ثراه كان عازماً على الرحيل في عصر يومه الآتي مع كافة العلماء والطلبة وغيرهم للسفر إلى ايران حفظاً لثغورها من هجمات عساكر الروس والانكليز.
وعندما ذهب ربع الليل تفرق الناس عنه إلى دورهم... لكنه لم يزر عينيه الكرى.. وأخذه شبه الضعف في منتصف الليل.. فقالوا: مرنا نحلّ أوزار المسير ونؤخر السفر إلى يوم آخر.. فقال: كلا إنني راحل غداً ان شاء الله إلى مسجد السهلة.. فسيروا إليها غداً ولو أشرفت على الموت لئلا يستوهن عزم المجاهدين.. وصلى الصبح فريضة ونافلة، ثم إشتكى من حدوث إنقباض في قلبه، وأنّ أنة رقيقة ومدد كالمغمى عليه وتوفي وفاة هنيئة)(1).
كان الآخوند الخراساني حريصاً كل الحرص على مشروع الجهاد، وقد كان إصراره على المسير، هو الذي جعل الحركة مستمرة. حيث تعامل العلماء معها
_______________________
(1) حسن شبر، المصدر السابق، ص 124.
[326]
على أنها خطوة لا يمكن التراجع عنها.
إن تفاعل علماء الدين مع المشروع الجهادي، وتأكيدهم على المسير إلى ايران لمحاربة القوات المعتدية، أثار المخاوف الحقيقية عند الحكومة الروسية، فسارعت إلى إعلان قرار الانسحاب من الأراضي الايرانية، وأبلغت هذا القرار رسميا إلى الحكومة الايرانية. وعلى اثر هذا التطور السريع، أنهى علماء الدين التعبئة الجهادية، بعد أن حققت أهدافها(1).
إن هذا المشروع الكبير للشيخ الخراساني، إستطاع أن يرسي فكرة العمل المسلح بقوة في اجواء المرجعية الدينية، فقد أصبحت الحالة الجهادية في أوساط الحوزة وفي الأوساط الجماهيرية، مقبولة إلى أبعد الحدود. وهذا ما بدا واضحاً في الفترات التالية التي شهدتها البلاد الإسلامية، حيث كان التوجه الجهادي والدعوة إلى العمل المسلح تجد لها صدى متجاوباً سريعاً من قبل الأمة.
لا نريد أن نحصر التوجه الجهادي بموقف الآخوند الخراساني وحده، ولكننا نرى أن توجهاته الاصلاحية في المجال السياسي، والتي تميزت بالوعي والاستجابة السريعة للاحداث والاصرار على المواصلة تحت كل الظروف، هي التي خلقت حالة عامة في هذا الاتجاه، ودفعت المراجع والعلماء الذين جاءوا بعده إلى مواصلة هذا النهج الجهادي عندما تكون الأمة بحاجة اليه.
إمتداد المشروع الاصلاحي للخراساني:
ترك الآخوند الخراساني أثراً هاماً في حركته الاصلاحية السياسية، وهو ما تمثل في التلامذة الذين تخرجوا على يديه، والذين كانوا من المقربين اليه، مثل السيد هبة الدين الشهرستاني الذي كان مندمجاً بنهجه إلى درجة كبيرة. وسار
_______________________
(1) سليم الحسني، دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار، ص69.
[327]
على نفس توجهاته الاصلاحية في المجال السياسي. فلم يكن السيد الشهرستاني رحمه الله، يرى بأساً من التدخل في العمل السياسي بكل قوة، والمشاركة في الحكومة كجزء منها، وهي نظرة لم تكن مستساغة في الجو الحوزوي في تلك الفترة.
فلقد شارك السيد هبة الدين الشهرستاني، وزيراً في الحكومة العراقية الملكية، وهو المجتهد الشيعي الوحيد الذي شارك في الحكومة وتسلم منصباً وزارياً. وكانت له مواقفه المعارضة لسياسة الدولة فهو لم يكن من الوزراء الذين يسكتهم المنصب عن إبداء الرأي، بل جعل من المنصب الوزاري منطلقاً لتسجيل الموقف الرافض.
ولم تقتصر إصلاحية السيد الشهرستاني، على الجانب السياسي، وحده، بل كانت له مشاريعه الاصلاحية ذات الطابع الجماهيري التثقيفي، فقد كان يقيم المهرجانات الجماهيرية الكبيرة في بعض المناسبات الإسلامية، كما أسس مكتبة الجواد العامة في الصحن الكاظمي الشريف، وأصدر مجموعة من الكتب ذات الطابع العلمي الحديث. كما أصدر مجلة العلم ولعلها من أوائل المجلات الثقافية التي صدرت في العراق في تلك الفترة.
إن السيد هبة الدين الشهرستاني، وإن لم يصل إلى المرجعية، لكنه كان من المجتهدين البارزين، وكان من طلائعهم الاصلاحية في الفترة التي عاشها، وهو إمتداد لمدرسة الآخوند الخراساني الاصلاحية في المجال السياسي، وقد أضاف عليها تطورات اخرى في المجال الاجتماعي والثقافي، وهذه هي ميزة المصلحين المجددين، فهم لا يقفون عند الحدود السابقة، بل يسعون إلى التوسع تبعاً لحاجات الأمة المتجددة بحسب تطور الأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاجتماعية.
[328]
الشيخ كاشف الغطاء.. الاصلاح السياسي:
عرف الامام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء باهتمامه الاصلاحي العام لواقع المسلمين الاجتماعي والسياسي. وقد تميز بشخصية قوية مؤثرة، ووعي سياسي كبير، كما مكنته ملكاته الكتابية والخطابية والأدبية من القيام بأدوار مؤثرة على الساحة العراقية والساحة الإسلامية بشكل عام. وهو المجتهد الوحيد الذي قام بجولات واسعة في البلاد الإسلامية من أجل الاصلاح في الواقع الاسلامي العام، وشارك في مؤتمرات عديدة دفاعاً عن قضايا الأمة الاساسية.
ومع أن الشيخ كاشف الغطاء لم يكن من المراجع المبرزين، إلا أن همومه كانت بحجم العالم الاسلامي، وإستطاع أن يصنع أحداثاً هامة وأن يكون له الرأي الفصل في فترات حساسة من تاريخ العراق المعاصر. ولو قدر له وكان المرجع العام لأثر حتماً في مسيرة العراق، ومستقبله السياسي بشكل يغير من مجرى تاريخه.
وقد بلغ تأثيره الاجتماعي والسياسي درجة أن ساهم في إسقاط عدة وزارات من خلال دعمه للعشائر العراقية في معارضتها للسلطة ايام الحكم الملكي. وحاول عدد من رجال السياسة الاحتماء بقوته، واستغلال قوته الشعبية في مشاريعهم السياسية الخاصة، لكنه لم يسمح لهم بالالتفاف عليه، وواجههم بالشجاعة والمبدأية التي تمثل جزءً من شخصيته القيادية.
فقد حدث في عام 1934م أن اجرت وزارة علي جودت الأيوبي إنتخابات برلمانية، لم تكن نزيهة كما هي العادة، وقد أثار ذلك معارضة رؤساء العشائر العراقية في الفرات الأوسط، الذين كانوا قد رشحوا للانتخابات، لكنهم لم
[329]
يفوزوا بها لعدم نزاهتها. كما أن ممارسات الوزارة كانت تثير نقمة الجماهير العراقية لا سيما في المناطق الشيعية.
وازاء هذه الأوضاع، قام رؤساء العشائر بعقد إجتماعات متواصلة من أجل التضامن وتوحيد الموقف المعارض لوزارة الأيوبي. وحاول رجال السياسة المحترفين أن يستغلوا الموقف العشائري المعارض، لمصالحهم الخاصة، لكن الشيخ كاشف الغطاء، إستوعب الموقف وحوّله من مجرد معارضة سياسية محدودة إلى معارضة شاملة من إجل الاصلاح في سياسة الحكومة العامة تجاه الشعب المسلم.
فقد تم عقد إجتماع موسع في منزله بالنجف الأشرف بدعوة منه، حضره نحو مائتي رئيس من رؤساء العشائر، كان محوره ضرورة تحقيق الاصلاح السياسي في البلاد، وتم كتابة بيان في هذا الخصوص لتقديمه إلى الملك وإلى رئيس مجلس النواب والأعيان(1).
لقد ادركت وزارة الأيوبي خطورة الموقف بعد أن تدخل الشيخ كاشف الغطاء ودعم موقف رؤساء العشائر، فأقدمت على خطوة مضادة، حيث عبأت رؤساء العشائر الموالين لها من أجل التصدي ضد العشائر المعارضة، وكان الغرض من
_______________________
(1) عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الرابع،ص52.
[330]
ذلك تصعيد الموقف إلى الحدود القصوى بما في ذلك إشعال حرب داخلية بين العشائر لشغلها فيما بينها عن معارضة الحكومة.
أوشكت خطة الحكومة أن تنجح، لولا أن اصدر الشيخ كاشف الغطاء فتواه الحاسمة التي أطفأت نار الفتنة المفتعلة، وكانت الفتوى عبارة عن بيان عام نختار بعض المقاطع منه لأهميته التاريخية، ولأنه يبين طريقة تفكير الشيخ كاشف الغطاء في الاصلاح:
(من البداهة بمكان أن محاربة العشائر بعضهم لبعض، واستعمال القتال والمضاربة فيما بينهم، هو من أفظع المآثم وأعظم الجرائم وأكبر المحرمات. ومحاربة المؤمنين فيما بينهم محاربة لله ورسوله، وفساد في الأرض كبير، ومعاذ الله أن نرضى بها، ويرضى بها مسلم، ومن نسب الينا ذلك فقد افترى على الله واقترف اثماً كبيراً، ومن رضى بذلك فجزاؤه جهنم خالدا فيها... وقد علم كل ذي حس أن خطتنا ومخاطباتنا لا تزال مقصورة على دعوة الناطقين بكلمة التوحيد إلى توحيد الكلمة، وجمع الشمل، ولمّ الشعث، ولا نرى سلماً للسلامة وسبباً للسعادة إلا بالاتفاق والوحدة، والتعاون والتضامن... وهذا واجب على كل واحد من أبناء الأمة، وكبار مفكريها وقادتها وزعمائها... وإن غرضي الأسمى وهدفي الأعلى الذي قد أخذ الله عليّ العهد والميثاق في القيام به والدعوة اليه، من غير توان ولا فترة، هو تعزيز قضيتنا المقدسة والسعي في الاصلاح لتضميد بعض الجراح الذي نزف به جسم الأمة دماً زكياً. الاصلاح هو أقصى ما نروم، وغاية ما نحاول، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب...)(1).
لقد تمكن الشيخ كاشف الغطاء من إستيعاب حركة المعارضة، وتوجيهها نحو
_______________________
(1) نفس المصدر السابق، ص55.
[331]
مشروعه الاصلاحي، وقد أسفرت جهوده في إسقاط الوزارة، وتشكيل وزارة أخرى. لكن الوزارة الجديدة لم تأت للاستجابة لمطالب الأمة، فاستمرت المعارضة وتصاعدت بدعم من الشيخ طاب ثراه، فسقطت بعد اسبوعين(1).
كانت السلطة العراقية من ملك ووزراء ورجال سياسة يحسبون للشيخ كاشف الغطاء حساباً خاصاً، نظراً لحسه السياسي وحركته النشطة، وتصديه السريع للأحداث السياسية، وتفاعله مع قضايا الشعب العراقي بكل إخلاص وتضحية. وربما كان إهتمامه بالاصلاح السياسي وإنشغاله بمجرياته هو الذي جعله لا يصل إلى المرجعية العامة.
ولم تنحصر الحركة الاصلاحية للشيخ على السياسة العراقية وحدها، بل كانت اشمل من ذلك فلقد تصدى بقوة إلى الاحتلال الصهيوني لفسلطين، وقام بدور كبير لم يقم به غيره من مجتهدي الشيعة، فكان يحضر المؤتمرات الدولية بشأن قضية فلسطين، ويلقي خطبه المبدأية الواعية أمام الحكام والزعماء والرأي العام، محملاً حكومات الدول العربية مسؤولية ضياع فلسطين. وقد جمعت خطبه في كتاب صدر بعد وفاته رحمه الله بعنوان:(قضية العرب الكبرى). كما نشر الكثير من القصائد الرائعة حول القضية الفلسطينة والموقف المطلوب من الحكومات والشعوب الإسلامية.
في عام 1954م قررت أميركا وبتنسيق مع بريطانيا، عقد مؤتمر كبير في لبنان في منطقة (بحمدون)، لمواجهة الخطر الشيوعي المنتشر في البلاد الإسلامية، وكانت الدعوة إلى المؤتمر موجهة إلى شخصيات اسلامية ومسيحية لامعة، وتحمل شعار القيم الروحية في الديانتين وموقفهما من الشيوعية.
وكان الشيخ كاشف الغطاء من المدعوين لحضور المؤتمر، لكنه وجد في هذا
_______________________
(1) راجع تفاصيل تلك الفترة في المصدر السابق.
[332]
المؤتمر محاولة لمخطط آخر وهو التعمية على القضية الفلسطينية وعلى المأساة الحقيقية التي نجمت عن الاستعمار الغربي، فلم يحضر المؤتمر، إنما بعث اليه برسالة مطولة طبعت فيما بعد في كتاب مستقل تحت عنوان (المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون)، وقد احدث الكتاب ضجة في الأوساط الثقافية والسياسية، وهو يعبر عن آراء الشيخ رحمه الله في الاصلاح السياسي الشامل للواقع الاسلامي.
نختار منه بعض المقاطع لتوضيح أفكار الشيخ كاشف الغطاء:
(.. ان ألوف المؤتمرات والمذاكرات وكل الاجتماعات والمجتمعات ليس لها أثر إذا لم تكن الدولة المؤسسة لتلك المؤتمرات والمذاكرات هي في نفسها منسجمة وملتزمة بالقيم المثلى والنواحي الروحية، ولا يندفع خطر الشيوعية إلا بتحقيق حرية الشعوب والعدالة الاجتماعية وقلع جذور الظلم والعدوان وقمع رذيلة الحرص والشره على حق الغير والتجاوز عليه. فهل أنتم يا معاشر الأمريكان وياحكومة الولايات المتحدة ويادولة الانكليز، هل انتم واجدون تلك الصفات وهل عندكم شيء من القيم الروحية والمثل العليا وهل أبقيتم للقيم الروحية قيمة.
أليست اعمالكم الفظيعة وضربتكم القاسية للعرب والمسلمين في فلسطين قد سودت وجه الدهر وألبست الأعصار جلابيب الخزي.... أليست هذه الاضرابات التي تراق فيها دماء أهل الوطن الواحد والملة الواحدة في طهران وسوريا ومصر ولبنان، أليست كلها من أصابعكم الخفية التي تلعب ليلا ونهارا من وراء الستار الستم انتم الذين تصبّون البلاء والمحن وتريقون دماء الأبرياء في الشرق والغرب... إن أصل بلائنا بإسرائيل كما ذكرنا من انكلترا التي كونتها، وأمريكا التي شجعت اسرائيل وعاونتها، فخلاصنا من اسرائيل مرتبط إرتباطاً وثيقاً بخلاصنا من الاستعمار...).
[333]
كان الكتاب صرخة وعي مؤثرة في الأوساط العامة، وقد ظل متداولاً بين الأيدي لفترة طويلة واعيد طبعه عدة مرات، وقد تضمن آراء الشيخ كاشف الغطاء في إصلاح الواقع السياسي العام في البلاد الإسلامية، وهو الهدف الذي سعى اليه رحمه الله طوال حياته، وبذل من أجله كل طاقته وجهده، وخلف تراثاً غنياً من الخطب والقصائد إلى جانب الكتب الأخرى، التي عرض فيها عقائد الإسلام، وعقائد التشيع، من أجل توحيد الأمة والتصدي لمحاولات التشويه التي يثيرها الأعداء لتمزيق الأمة الإسلامية، وقد ظل كتابه (أصل الشيعة وأصولها) متداولاً حتّى هذا اليوم، وهو من أروع ما كتب عن عقائد الشيعة بصورة واضحة واسلوب جميل كما هي طريقته طاب ثراه. وكذلك كتابه الدين والإسلام وغيره.
وفي نهاية حديثنا عن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، نود القول أنه كان شخصية إصلاحية بذاته، تمتع بكل مواصفات الاصلاح وعناصره، فهو لم يكن من تلامذة الآخوند الخراساني حتّى نقول عنه أخذ منه التوجه الاصلاحي، كما هو الحال في السيد هبة الدين الشهرستاني، بل كان الشيخ من التلامذة المقربين من السيد كاظم اليزدي الذي كان يميل إلى العمل التقليدي. لكنه لم يتأثر بمنهج إستاذه وإنطلق قوياً مؤثراً في عالم الاصلاح، بدافع من ملكاته الشخصية ومواصفاته الذاتية التي كانت تتميز بالتوجه الاصلاحي في المجال السياسي والاجتماعي.
لقد سبق الشيخ كاشف الغطاء عصره، أو أن العصر الذي عاش فيه كان متخلفاً عنه، فقد مارس حركته بمفرده في العديد من المواقف والظروف، وكان بحاجة إلى دعم المراجع الآخرين، غير أن هذا الدعم ظل غائباً، فلم يكن بمقدوره أن يصل إلى ما يروم بلوغه وأن يحقق كل ما يهدف اليه.
[334]
شخصيات متفاعلة مع الاصلاح:
قلنا أن الاصلاح ينطلق من العوامل التكوينية للشخصية، فهناك شخصيات هي إصلاحية بطبيعتها، وقد ذكرنا نماذج منها. إلى جانب ذلك هناك شخصيات لا تمتلك الموهبة الاصلاحية المستقلة لتكون رائدة وصاحبة مشروع متميز، لكنها تتحرك بإستجابة في الاتجاه الاصلاحي، وتستجيب لحركة الاصلاح عندما تلتقي بها. وفي مقابل هذا النمط من الشخصيات هناك من لا تستجيب للاصلاح، وتظل بعيدة عنه حتّى ولو ألقيت عليها الحجج والبراهين. وسنذكر بعض النماذج مع التذكير بأننا لا نقصد المفاضلة بقدر ما نريد تسليط الضوء على طبيعة الشخصية وموقفها من المشروع الاصلاحي.
فمثلاً عندما أراد الامام الحسين عليه السلام التوجه إلى العراق للقيام بثورته، عارضه جمع من الصحابة والتابعين، فقد دار حوار بين الامام عليه السلام وبين أبن عباس، وكان ابن عباس يحاول أن يثني الامام عن المسير إلى العراق، ولم يقتنع ابن عباس بمشروع الامام الحسين، بل كان يرى رأياً معارضاً له، مع أنه من الصحابة المشهورين بقوة الحافظة، ومن بني هاشم، وقد سمع أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحق الامام الحسين، ويدرك جيداً أنه الامام المفروض طاعته.
وفي مقابل ابن عباس، سار مع الامام الحسين عليه السلام رجال لم يصلوا إلى علم ابن عباس، لكنهم قنعوا بكلام الامام معهم فغيروا موقفهم تماماً وانضموا اليه، بل أن بعضهم إنضم اليه بمجرد أن بلغه خبر تحرك الامام طلباً للاصلاح، مثل زهير بن القين و(جون) العبد الأسود الذي سار مع الحسين حتّى النهاية واستشهد بين يديه.
إن الفارق كبير بين رجل عبد لا يملك ثقافة ومنزلة إجتماعية في ذلك المجتمع
[335]
الذي كانت الاعراف القبلية والتشريفية تسيطر عليه، وبين رجل من الصحابة النابغين المشهود بعلمهم، وله منزلته الاجتماعية المرموقة في مجتمعه وكان مقرباً من الخلفاء ومن الامام عليّ عليه السلام. لكن الاستجابة كانت معكوسة في الموقف من المشروع الاصلاحي، فالأول إستجاب بسرعة، والثاني رفض رغم الحوار والمحاججة. وقد شهدت أحداث ما قبل ثورة الامام الحسين الكثير من هذه المواقف.
إن الاستجابة للمشروع الاصلاحي لها أهميتها الحساسة في نجاح المشروع، إذ لا يمكن أن نتصور مشروعا اصلاحيا يحقق النجاح المطلوب مع عدم وجود إستجابة له، بل أن مشكلة المشاريع الاصلاحية هي قضية القاعدة المستجيبة للحركة الاصلاحية. وعلى هذا فان من البديهي القول أن الشخصيات المستجيبة أقل بكثير من تلك التي تظل على الحياد، أو تقف موقفا رافضا ومعارضا، وهي ظاهرة اجتماعية لها الكثير من المصاديق في كل الشعوب في تجاربها المختلفة. مما يجعل مهمة المصلح عسيرة إلى أبعد الدرجات، إذ يكون من المطلوب منه أن يهئ القاعدة المتفاعلة معه، لا سيما اذا كانت طبيعة المشروع الاصلاحي تتطلب بذل جهود كبيرة وشاقة من المجتمع، أو أنها تأتي بجديد لم يألفه الواقع الاجتماعي.
إن الذي يهمنا في هذه الدراسة ليس الاستجابة الجماهيرية مع المشروع الاصلاحي، بل الشخصيات التي إستجابت للاصلاح وأثرت في حركته، فهذا هو المهم في دراستنا، أما الجانب الجماهيري فهو مسألة واضحة وواسعة في نفس الوقت، فمثلاً نلاحظ أن الجماهير تفاعلت مع مواقف المراجع المصلحين في الكثير من الفترات الزمنية وسجلت حضوراً قوياً ومؤثراً ساهم في إنجاح المشروع الاصلاحي نتيجة الاستجابة الجماهيرية القوية، وقد ذكرنا أمثلة ووقائع عن ذلك في الباب الأول من هذا الكتاب.
[336]
السيد محسن الأمين والسيد أبو الحسن الاصفهاني:
نستطيع ان نضرب مثلاً على الشخصيات التي تفاعلت مع الاصلاح من كبار العلماء والمراجع وساهمت في دفع المشروع الاصلاحي إلى الامام دون أن تكون هي المبادرة في إنطلاقته، بالسيد أبي الحسن الاصفهاني الذي إستجاب لمشروع السيد محسن الأمين الاصلاحي فيما يتعلق بتنقية المنبر الحسيني من الشوائب وممارسة الشعائر الحسينية. مع الاشارة أن السيد الاصفهاني كان مصلحاً بذاته، لكنه فيما يتعلق بهذا الجانب لم يكن هو المصلح، إنما تفاعل مع الحركة الاصلاحية للسيد الأمين، وتعرض لما تعرض له من ردود فعل سلبية من قبل المعارضين.
كان السيد محسن الأمين يمتلك شخصية إصلاحية في المجالات الاجتماعية والتبليغية والسياسية، لكن الاصلاح الخاص المتعلق بمسألة الشعائر الحسينية والمنبر الحسيني هي التي غطت على مشاريعه الاصلاحية الأخرى. وقد تكون ردة الفعل المضادة التي تعرض لها، هي التي جعلته يركز على هذا الجانب، ويصر على إحداث الاصلاح رغم كل العقبات والتحديات. فالمصلح لا يكون مصلحاً إذا انسحب من الساحة عند أول مواجهة مضادة، بل أن المصلح هو الذي يسير في مشروعه إلى نهاية الطريق وهذا ما كان من سيرة السيد الأمين في هذا المجال.
اصدر السيد الأمين قدس سره، كتاباً بعنوان:(التنزيه لاعمال الشبيه) شجب فيها الممارسات التي إعتاد عليها الناس في شهر محرم من قبيل اللطم المبرح على الصدور والضرب بالسلاسل، وجرح الرأس بالسيف، وغير ذلك من الممارسات التي كانت تجري في كل منطقة من مناطق الشيعة، وقد توارثتها الأجيال حتّى أصبحت جزءً من تقاليدهم الثابتة.
اثار الكتاب ضجة كبيرة، فلم يألف الناس معارضة لهذا الجانب من حياتهم،
[337]
وقد تصدى للسيد الأمين بعض كبار العلماء والمجتهدين في معارضته في هذا المنهج الاصلاحي، وفي المقابل وقف إلى جانبه آخرون، كان في طليعتهم السيد ابو الحسن الأصفهاني الذي أصدر فتواه بحرمة ضرب الرؤوس بالسيوف وغيرها من الممارسات.
وفيما نحن بصدده من حديث ننقل مقطعاً كتبه المرحوم الاستاذ جعفر الخليلي وقد عاصر تلك الأحداث:
(وممن دافع عن السيد محسن خارج النجف كان السيد مهدي القزويني في البصرة، وكان السيد هبة الدين الشهرستاني في بغداد الذي ساعدنا نحن الذين تولينا الكتابة والدفاع عن السيد محسن مساعدة فعالة، على أن دفاع هؤلاء لم يكن مستغرباً حينذاك بقدر ما كان يستغرب دفاع الشيخ علي القمي، ودفاع الشيخ جعفر البديري لبعدهما عن روح التجديد. وقد أثار هذان الأخيران في ذبهما عن السيد محسن دهشة جميع الاوساط واستغرابهم)(1).
إن تفاعل الشيخين علي القمي وجعفر البديري وهما من التقليديين ودفاعهما
_______________________
(1) جعفر الخليلي، هكذا عرفتهم، الجزء الأول،ص210. وقد تحدث المرحوم الخليلي في هذا الكتاب عن تفاصيل ما تعرض له السيد الأمين، وأن النجف إنقسمت بين مؤيدين ومعارضين للسيد الأمين، فالمؤيدون سموهم بالأمويين، والمعارضون بالعلويين.
[338]
عن السيد الأمين، يعطينا فكرة اكثر وضوحاً عن الشخصيات المستجيبة للمشروع الاصلاحي. وهي أن طبيعة المشروع لها أهميتها في تحديد الاستجابة، فقد رأى هذان الشيخان وربما غيرهما أن موقف السيد الأمين يتطابق مع المصلحة الإسلامية، وأنه يسير في الاتجاه المطلوب، فوقفا إلى جانبه إنطلاقاً من فهمهما للموقف المطلوب إتخاذه في مثل هذه الحالات، مع أن إتخاذ مثل هذا الموقف له تبعات سلبية على الصعيد الاجتماعي، لكن القناعة كانت أهم من كل ذلك.
إن هذا النموذج يجعلنا نقول بضرورة التريث في إصدار الأحكام بشأن بعض الرجال والمواقف التي إتخذوها، سواء بالسلب أو بالايجاب من المشروع الاصلاحي، والذي يدعونا إلى هذا القول ليس الانطلاق من الموقف الايجابي للشيخين القمي والبديري، بل لأن هناك ظاهرة معاكسة لهما حدثت في تلك الفترة وحول نفس القضية، وهي أن بعض الشخصيات المعروفة بنهجها الاصلاحي وقفت معارضة للسيد الأمين، وهو امر يبعث على الاستغراب حقاً. مع أن تلك الشخصيات لها منزلتها العلمية والاجتماعية المؤثرة، ولسنا نملك دليلا قاطعا عن السرّ في ذلك سوى القول بأنها القناعة من مشروع السيد الأمين في موضوع الشعائر الحسينية أو الخوف من العوام.
ومن هنا فان الاستجابة للمشروع الاصلاحي ليس بالضرورة أن نتوقعها من الشخصيات المتفاعلة مع الاصلاح والتجديد دائماً، كما أنه ليس من الصحيح أن نعمم الحكم على التقليديين بأنهم يعارضون كل خطوة إصلاحية مهما كان نوعها وشكلها ومجالها. فهناك استثناءات ومحفزات خاصة تتحرك من قناعة الأفراد لكل فكرة وموقف. لكن في نفس الوقت لا يعني هذا الرأي أن نغض الطرف عن مسألة تقييم وتحليل مواقف الأشخاص فيما يتعلق بالامة، فتلك لها
[339]
مجالها الآخر وهي ملك الأمة والتاريخ.
تجارب النهضة الإصلاحية في العراق:
حدثت في العراق نهضة اصلاحية في الفترة الممتدة من ثلاثينات هذا القرن إلى خمسيناته، ثم تواصلت عطاءاتها للفترات اللاحقة، بحكم النجاحات التي حققتها.
ورغم ضخامة تلك الفترة من حيث النشاط الاصلاحي، إلا أنها لم تنل إهتمام المؤرخين بالشكل المطلوب، وحتّى الكتّاب الاسلاميين لم يأتوا على دراستها بشكل كامل مستوعب. وقد كان بودنا أن نأتي على دراستها تاريخياً، لكن ذلك يخرج بنا عن منهجية هذا الكتاب. لأننا نريد دراسة البعد الاصلاحي منها وأثره على المجتمع العراقي، والشخصيات التي صنعت الأحداث ونتائج أعمالهم الاصلاحية، وفي تقديرنا أن تلك الفترة هي الفترة التأسيسية لما أعقبها من تحرك إسلامي عام، وأن مرجعية الامام الحكيم إنما كانت إمتداداً لعطاءاتها، وتكملة لحلقاتها.
ويمكن أن نأتي على ذكر أهم الانجازات الاصلاحية في الفترة التي سبقت تصدي الامام الحكيم قدس سره في النقاط التالية:
أولا: التصدي للتبشير الصليبي:
منذ سقوط العراق بيد الاستعمار البريطاني، كانت الحملات التبشيرية الصليبية نشطة في تحركها بشكل كبير، فهي مدعومة من قبل السلطة البريطانية، وقد ظل هذا الدور مستمراً حتّى بعد تشكيل الحكومة العراقية عام 1920م. لأن السلطة الحقيقية كانت بيد الانكليز.
وقد تنبه إلى خطورة الحملات التبشيرية عدد من المراجع والعلماء، وكانت
[340]
لهم مساهماتهم في مواجهة التبليغ الصليبي، لكن أحد العلماء الشيعة، وهو الشيخ حبيب العاملي وجد أن المواجهة لاتحقق أغراضها عن بعد، وأن المطلوب القيام بعمل ميداني يتصدى له عالم الدين بنفسه ليقف على الحاجات الميدانية والاجواء الحقيقية للعمل الاسلامي في مواجهة التبليغ الصليبي.
والذي يظهر لنا أن الشيخ العاملي، إنطلق من فكرته هذه عندما وجد أن التبشير الصليبي لم يتحدد في إطار المدن والمراكز الادارية الكبيرة، بل أنه يغطي حتّى القرى والأرياف والمناطق البعيدة عن العاصمة في شمال البلاد وجنوبها. فقرر أن ينفذ مشروعه الاصلاحي بنفسه، وأن يبدأ عملياً في مواجهة التبشير في المناطق البعيدة عن العاصمة وعن المراكز الادارية الكبيرة، فقرر الاقامة في مدينة العمارة الريفية جنوب العراق، ومن هناك بدأ عملاً إصلاحياً له أهميته في العمل الاجتماعي الاسلامي.
أسس الشيخ العاملي رحمه الله مكتبة إسلامية عامة في مقابل المكتبة التبشيرية، وعقد اتفاقاً خاصاً مع أحد الأطباء لمعالجة المرضى على نفقته الخاصة، ثم أصدر فتواه بحرمة مراجعة المستشفى التبشيري الذي كان يعالج
[341]
المرضى مجاناً(1).
ونلاحظ على منهج الاصلاح عند الشيخ العاملي، أنه كان يقدم البديل المطلوب قبل أن يأتي على منع الناس عنه عبر الفتوى الشرعية، وهذا يعني أنه كان يعيش الحاجة الاجتماعية بوعي كبير، فقد يمتنع بعض الناس عن عمل معين التزاماً بفتوى العالم أو المرجع التي تمس حياتهم المعاشية والحياتية، لكن غالبية الناس لا يمكن لهم الالتزام بالفتوى إذا كانت البدائل غير موجودة. فمن الصعب أن يلتزم المريض الذي يعاني من الألم بفتوى دينية تحرم عليه مراجعة المستشفى الصليبي وتحمل الالم ومعاناة المرض، دون أن تقدم له بديلاً ولو أقل منه كفاءة ومستوى تقلل من لوعة الألم التي يعاني منها.
إن البديل في بعض الحالات يمكن أن يكون وحده محفزاً كافيا لترك الناس التردد على المراكز المضادة للاسلام، واللجوء إلى المراكز الإسلامية بكل رغبة وإندفاع، فليس اللجوء إلى الحملات التبشيرية وغيرها رغبة خفية تحرك الناس بدون وعي أو شعور، إنما غياب البديل هو الذي يدفع بهم إلى اللجوء إلى تلك المراكز، ولو أنهم وجدوا عند المرجعية البدائل التي توفر لهم حاجاتهم لما انصرفوا عنها إلى غيرها(2).
_______________________
(1) حسن شبر، تاريخ التحرك الاسلامي في العراق، ص 307.
(2) هذه النقطة من المسائل الهامة التي لمستها من خلال اقامتي في بلاد العرب، فالعوائل المسلمة تضطر إلى ارسال أبنائها إلى المدارس الحكومية، لعدم وجود مدارس اسلامية كافية، مع إدراك ذويهم بأن المدارس الحكومية تفسد على أبنائهم اخلاقهم ومفاهيمهم وعقائدهم الإسلامية. فالساعات الطويلة التي يقضيها الطالب في المدرسة تجعل المدرسة هي صاحبة التأثير الأول عليه، خصوصا إذا لم يكن للأب فرصة كافية لتعليمه وترشيده. وللكثير من المهاجرين في بلاد المهجر مشاكل من هذه الناحية. وقد فقد الكثير من اطفال الجاليات الإسلامية العربية لغتهم العربية لأن آباءهم لم يعتنوا بهم، بل أنهم اخذوا من المدارس ومن المجتمعات الغربية العادات والتقاليد والأخلاق والممارسات، وأصبحوا جزءً من المجتمع الغربي.
هذه الحقيقة أتيت على ذكرها تذكيراً ودعوة لعلمائنا ومرجعياتنا ومراكزنا الإسلامية، لأن تولي هذا الجانب أهميته المطلوبة، والله تعالى هو الموفق لكل خير.
[342]
كانت تجربة الشيخ حبيب العاملي ناجحة إلى أبعد الحدود داخل الوسط الذي تحرك فيه، فلقد استطاع رحمه الله أن يمنع تأثير الحملة التبشيرية بشكل ملحوظ، وأن يحفظ شباب المسلمين من الارتداد عن عقيدتهم الإسلامية.
ويرجع هذا النجاح إلى المبادرة الميدانية التي أقدم عليها الشيخ العاملي في مشروعه الاصلاحي على الصعيد العقائدي الاجتماعي. فلو افترضنا أنه إستعاض عن نفسه برجل آخر لما كان من المؤكد أن يحقق ما حققه الشيخ العاملي. ففي الاعمال الاصلاحية ليس بالضرورة أن تنجح النيابة والوكالة في إنجاح العمل، لأن المطلوب في مثل هذه الحالات هو الشخصية المبادرة المتحسسة لعمق المهمة وجسامة المسؤولية، وليس الاشراف والمراقبة.
ثانيا: التبليغ العقائدي:
كانت الهجمة الاستعمارية لبلاد المسلمين قد أفرزت الكثير من المظاهر السلبية على الحياة الاجتماعية العامة، وكان من ابرز تلك المظاهر هو الغزو الفكري الذي طبقه المستعمرون بشكل ممنهج ضمن خطة بعيدة المدى كانت تهدف إلى تمييع العقيدة الإسلامية، وتحويل الإسلام إلى مجرد طقوس وعادات خالية من المضمون الفكري الحقيقي.
وقد بدأت الخطة الاستعمارية حلقاتها على الواقع بعد الحرب العالمية الاولى، واخذت مساراً تصاعدياً في الفترات الزمنية التي اعقبتها. وأفرز المخطط الاستعماري عن مظاهر جديدة على الساحة الإسلامية لم تكن معروفة من قبل، فلقد إنتشرت ظاهرة الفكر المادي وبروز الاتجاه الالحادي في التفكير، إلى جانب الحملات الصليبية التي كانت نشطة في حركتها كما اشرنا. كما أن الاجهزة الاستعمارية ونتيجة ما تعرضت له من مقاومة واعية من قبل علماء الدين الشيعة، أرادت ان تضعف القوة الشيعية عن طريق تقوية الاتجاهات الفكرية
[343]
المضادة.
إن هذا التحول الخطير حفّز علماء الشيعة على مواجهة الخطر الفكري عن طريق طرح الإسلام الاصيل بصورة علنية عامة، وليس الاقتصار على النشاط الفكري داخل الحوزة، وقد برز في هذا الاتجاه الدور الكبير للشيخ محمد جواد البلاغي الذي تصدى لكل مظاهر الانحراف الفكري والعقائدي، وذلك من خلال نشر الوعي الاسلامي على الصعيد الثقافي العام. فكتب مجموعة من الكتب التي عالج فيها ظروف المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية. وكانت كتبه تتسم بالعلمية والمناقشات الموضوعية وباسلوب حيّ سلس، فالهدف عنده كان تعريف الأمة بالفكر الاسلامي، وترشيد الجيل إلى الحالة الصحيحة من ناحية العقيدة والثقافة.
كتب الشيخ البلاغي كتبه: أنوار الهدى، والبلاغ المبين بين الالهيين والماديين، والرد على شبهات الملحدين، في مجال الكتابات التي يواجه بها الأفكار الالحادية.
وفي مجال مواجهة الحملات الصليبية كتب: الهدى إلى دين المصطفى، والتوحيد والتثليث، وغيرهما من الكتب والأبحاث.
كما كانت له كتاباته الأخرى التي ظلت كتباً رائدة في مجالها مثل تفسير آلاء الرحمن الذي وافته المنية قبل أن ينجز معظمه.
[344]
وقد عرف الشيخ البلاغي بكونه شاعراً مجيداً كتب الكثير من القصائد في مواضيع مختلفة، وعالج في بعضها القضايا الإسلامية الهامة، مثل هدم الوهابيين لقبور الأئمة في البقيع(1)، وهي قصيدة طافحة بالألم والحرقة.
ويجب القول هنا أن نشاط الشيخ البلاغي لم يكن يتم بصورة إنفرادية، بمعنى أن إصلاحه الفكري والثقافي كان يسير إلى جانب جهود علماء آخرين، مثل السيد الأمين والشيخ كاشف الغطاء وغيرهما من العلماء كما سبقت الاشارة(2).
ثالثاً: الاصلاح التعليمي:
ظلت الحاجة إلى إصلاح المناهج الدراسية وطريقة تدريس العلوم الدينية في النجف الاشرف، حلماً يراود الكثير من العلماء، فالدراسة في هذه الجامعة العريقة المعطاءة، تأخذ طابعاً تقليدياً محافظاً. لم تسمح اجوائها بتقبل فكرة الاصلاح في إسلوب الدراسة ومناهجها، مع أن التطور الزمني كان يفرض أن تعتمد جامعة النجف الكبرى سبيل الاصلاح. ولو أنها إعتمدته وسارت عليه، لكانت عطاءاتها اعظم واكبر مما قدمته إلى الآن.
والحديث عن هذا الجانب يتردد كثيراً في الأجواء الحوزوية، وكنا نسمعه ونتحسسه بعمق أثناء دراستنا في تلك الحوزة العبقرية الضاربة بجذورها بقوة في التاريخ وفي ضمير المجتمع العلمي الشيعي.. وكنا نجد ونحن طلبة ضرورة القيام بحركة إصلاحية في الحوزة من أجل أن تجعلها قادرة على مواكبة العصر، ورفد الأمة بما تحتاجه في حياتها العامة. لكن ذلك ظل مجرد أمنيات تعيش في العقل
_______________________
(1) راجع عن حياته ومؤلفاته وشعره بتوسع: اعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، المجلد الرابع، ص255 وما بعدها، حيث يورد السيد الأمين بعض قصائده وثبتاً كاملاً بمؤلفاته.
(2) من المناسب هنا أن أشير إلى ملاحظة أراها هامة، وهي أن مؤلفات الشيخ البلاغي لم تحض بإهتمام دور النشر مع أنها تمتلك قيمة علمية متميزة، وهذا مما يؤسف له حقاً.
[345]
والقلب، حتّى مع وجود الامام الشهيد الصدر وعمله المنظم لاصلاح الحوزة كما سنتحدث عن ذلك إن شاء الله.
إن مراجعة التاريخ الخاص بالحوزات الدينية ودراسته بتمعن وشمولية، يُظهر لنا أن مشاريع الاصلاح السابقة للقرن العشرين كانت تلقى تجاوباً من قبل الأجواء الحوزوية أكثر بكثير من فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي ظاهرة جديرة بالدراسة والتأمل. لأن الوعي العام كان يتطور مع مرور الزمن، مما يستدعي أن تكون حركة الاصلاح أسهل كلما تقدم الزمن، فلماذا نلاحظ أن الواقع خلاف ذلك، وأن مواجهة الاصلاح تزداد شدة كلما تقدم بنا الزمن.
نستطيع أن نلخص الجواب بشكل سريع بالقول أن الاصلاح يحتاج إلى ظروف مساعدة من اجل ان يطرح كمشروع ناجح، ولم تكن الظروف الاجتماعية والفكرية في فترات ما قبل القرن العشرين لتساعد على النهضة الاصلاحية. لقد كانت ظروف الأمة تحتاج إلى حركة إصلاحية أساسية يكون المجتمع كله مادة لها، وهذا ما حاوله السيد جمال الدين الأفغاني. وكانت الحوزة العلمية خلال تلك الفترات تمثل منطقة الوعي والتطور الفكري في المجتمع، لذلك لم تظهر الحاجة لتطويرها واصلاح مناهجها، إنما كانت حاجة المجتمع إلى التطوير والاصلاح هي التي تبدو كحاجة ملحة وضرورة من ضرورات المرحلة الزمنية.
وقد حدث بعد ذلك ومع بدايات القرن العشرين أن الأحداث أخذت تسير بإتجاه مخالف، حيث أخذت حركة الوعي الجماهيري تتطور بشكل كبير، في حين ظلت الحوزات تعيش حالتها السابقة. وإستطاعت المجتمعات الإسلامية أن تصل إلى مستويات متطورة من الناحية الثقافية والفكرية والسياسية أكثر بكثير من واقع الحوزات، وظل هذا التطور يتزايد بشكل سريع مع تطور الواقع العام، مثل المدارس والصحافة وطرق الاتصال وغيرها من مظاهر الحياة
[346]
الجديدة. لقد كان هذا يحدث في فترات سريعة متقاربة. أما الحوزات العلمية فقد ظلت على حالتها السابقة تراقب التطور دون أن تكون لها قدرات التطور، فلقد إعتادت على السكون نتيجة الخلفية القديمة التي مضى عليها عقود طويلة من الزمن.
إن حالة الحوزات والمجتمع تشبه إلى حد كبير نموذج المعلم والتلميذ في المدارس الحديثة. فالمعلم يقضي سنوات طويلة وهو يمارس مهمة إعداد الطالب الناشئ، وهو يسبقه من حيث الثقافة والمعرفة والاطلاع بمراحل كبيرة غير قابلة للمقارنة. لكن التلميذ عندما ينتقل من المستويات الدراسية الأولى إلى المستويات الجامعية ومن ثم التخصصية، يكون قد سبق معلمه القديم من ناحية الثقافة وبعد النظر وغير ذلك، أما معلمه فانه يظل كما هو ينظر إلى تلامذته على أنهم أولئك التلامذة الصغار الذين يرجعون اليه في السؤال في كل شيء.
وهناك عامل آخر أدى إلى إحجام الحوزات عن العمل الاصلاحي قبيل الحرب العالمية الأولى وتزايد حدة بعدها، وهو التجارب التي مرت بها الحوزات العلمية على الصعيد السياسي خاصة، فإن الاحباط الذي واجهته في أكثر من تجربة مثل التجربة الدستورية والعمل الثوري، جعلها تميل إلى العزلة والابتعاد عن قضايا المجتمع لا سيما القضايا السياسية. وهذا ما بدا واضحاً عند بعض كبار العلماء وحتّى عند بعض الذين شغلوا موقع المرجعية مثل الميرزا النائيني قدس سره.
لقد خرجت الحوزة العلمية من تجربة ساخنة بنتائج سلبية إنعكست على الوضع العام للحوزات الشيعية، ولولا بروز بعض الاتجاهات الاصلاحية لآل أمرها إلى التحجم في زوايا مغلقة بعيدة كلياً عن المجتمع.
وقد تحدثنا سابقاً عن تلك المشاريع التي نهض بها قسم من العلماء في المجالات التبليغية والسياسية والاجتماعية، ونتحدث هنا عن معالم الاصلاح التعليمي
[347]
للشيخ محمد رضا المظفر قدس سره.
كتب الشيخ في مذكراته التي دوّنها عام 1358 هـ (أي في حدود عام 1938م) يتحدث عن ظروف الاصلاح التعليمي في الحوزة:
(تألفت إبتداءً من عام 1343 هـ عدة جماعات أشبه بجمعيات سرية أو مجالس تمهيدية للتفكير في طريق الاصلاح واكتساب الشعور العام، واتذكر جيداً اني اشتركت في احداها وكنت كاتبها، وأعضاؤها كلهم من الشباب الديني ذلك اليوم، وجماعات اخرى هناك منها التي اتصلنا بها وهم اكبر منا طبقة، اشترك اكثرهم بعد ذلك في (منتدى النشر) ومحورها الثلاثة المعروفون بالصفوة أو اضلاع المثلث المتساوي الاضلاع: «الشيخ محمد جواد الحجامي والشيخ محمد حسين المظفر والسيد علي بحر العلوم».
ولا ازال احتفظ بمحاضر جلسات جماعتي الاولى تلك، وبمذكراتي الخاصة عنها وعن غيرها، وهي على بساطتها تمثل لي مقدار التكتم والخوف الذي كان يساورنا. كان عملنا وتفكيرنا مقتصرا على تفقد المفكرين من اصحابنا الذين يحسون بالداء مثلنا، وبالرغم من مواصلة الجلسات والتفكير طيلة عام واحد لم نستطع أن نخرج صوتنا من غرفتنا إلا بعض الشيء، ولم نستطع أن نضم الينا اكثر من عشرة اعضاء...
[348]
وفي عام 1349 هـ عندما هاجمت النجف كتب عدائية حسست الشعور العام، اتخذ جماعة منا... وسيلة للنهضة بتأسيس جمعية للنشر والتأليف، وكان ينوي بعض القائمين بالحركة الذين اتصلت بهم استغلال هذه الجمعية اذا تمت لاصلاح الدراسة الدينية...
وقد تمكن القائمون بالنهضة أن يشركوا معهم اشهر رجالات النجف وعلمائها ومفكريها حتّى إنتخبوا هيئة عاملة تتألف من سبعة من الاشخاص وهيئة عليا من ثلاثة مجتهدين وباقتراح هذه الهيئة العليا نهض العلامة الاكبر المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي لتأليف تفسير مختصر للقرآن العظيم ليكون باكورة الاعمال أسماه بـ «آلاء الرحمن» عاجلته المنية قبل اكماله وخرج منه جزءان وطبعا، فكان هذا كل نتيجة هذه الحركة.
وهذا هو الدور الثاني للفكرة، ولم تخل النجف بين هذين الدورين وبعدهما من احاديث وآراء واجتماعات، بل ومحاولات كالفقاقيع لم تظهر إلا لتختفي كما يقولون ولا ينكر أيضاً أثرها في توجيه الافكار وتهيئة الشعور العام.
وجاء الدور الثالث من قبل ست سنوات ـ أي من حين تدوين المذكرات ـ وهو أبعدها مدى وأعظمها أثراً وذلك حركة «الكلية» كما يسمونها، لأنها هزت النوادي النجفية هزة عنيفة اشترك فيها الصغير والكبير والعالم والجاهل وقد بلغ الموقعون على ورقة شروط العمل المائتين وهم رجال العلم بالنجف وأهل الكلمة فيه. ولكن يظهر أن هذه الكثرة في ابتداء العمل وقبل انتظامه مما ساعد على توقف الحركة، فلم تصمد أمام العاصفة الهوجاء، وقد أعطتنا التجارب أن الاعمال الكبيرة يجب لأجل نجاحها أن تقوم بها جماعة محدودة تدير دفة العمل بتعاضد وتكاتف وتضحية، على عكس ما هو مشهور لأن الشعور بالمسؤولية
[349]
يقوى في الفرد إذا قلت الجماعة)(1).
لقد عرض الشيخ المظفر في هذه المذكرات ما رافق مشروع الاصلاح من عقبات بما لا يحتاج إلى تعليق. لكن الذي نريد أن نقوله هنا: إن الشيخ المظفر رحمه الله مرّ بتجارب إصلاحية لكنها لم تحقق النجاح المطلوب، غير أن هذه التجارب أعطته أفقاً إصلاحياً أكبر من السابق، ومكنته من معرفة سبل النجاح والفشل وهذا أمر له أهميته الكبرى في ميدان العمل.
إن الشيخ المظفر في هذه المسألة يختلف مع الكثير من رجال العمل، حيث يصاب المصلحون وأصحاب المشاريع العملية بخيبة أمل عندما يتعرض مشروعهم الاصلاحي إلى الفشل، لكن الشيخ المظفر لم يكن كذلك. فتراه يحول الفشل إلى منطلق عمل جديد وفي الميدان الحوزوي نفسه، وتلك قمة القوة والشجاعة والوضوح في الرؤية، والمبدأية في العمل.
لقد إستفاد الشيخ من تجربته السابقة التي كانت تضم عددا كبيرا من الشخصيات، ورأى أن الكثرة العددية لا تساهم في نجاح المشروع، فانطلق في مشروع اصلاحي بعدد قليل، حيث أسس مدارس منتدى النشر التي شقت طريقها وسط الصعاب بقوة واصرار، وتخرج منها عدد كبير من الشخصيات اللامعة فيما بعد كالشهيد الصدر مثلاً.
وأعقب هذا المشروع تأسيس الشيخ لكلية الفقه في النجف الأشرف وهي خطوة كبيرة ورائدة في الحوزة العلمية، وإستمرت الكلية لسنوات طويلة خاضعة لإشراف علماء الدين في النجف، حتّى مجىء البعثيين إلى الحكم حيث سيطروا على الكلية وجعلوها خاضعة لإدارتهم المنحرفة.
_______________________
(1) الشيخ محمد مهدي الآصفي، مشروع اصلاح الحوزة عند الشيخ المظفر، مجلة قضايا اسلامية، العدد الخامس ص 425 ـ 435.
[350]
إن هذه التجربة الخاصة بالشيخ المظفر تبين لنا أن شخصيته كانت شخصية إصلاحية، وأن المشروع الاصلاحي جزء من تكوينه الشخصي، فهو لا يستطيع أن يسكت على الواقع المتخلف، ويبذل كل جهوده من أجل القيام بعمل يخدم الحوزة العملية، ويجعلها بمستوى التطور العام الذي تمر به الساحة.
ونختم حديثنا عن الشيخ المظفر بفقرة رائعة من مذكراته توضح نظرته الاصلاحية العميقة وبعدها في حسابات الزمن حيث يقول في حديثه عن جامعة النجف مقارنة بالتطور العام:
(... فإن هذه النواقص كفقدان نظم التربية والتدريس في الامتحانات والمواد العلمية والاوقات والشهادات، كانت تهدد المفكرين منا بشلل الحركة العلمية في مستقبل الجامعة القريب أو البعيد، يوم أن اصطدمت سفينة هذه الجامعة القديمة بتيار هذا العصر الجديد فهزتها في بحر متلاطم بالميول)(1).
كان الشيخ المظفر إضافة إلى توجهاته الاصلاحية العميقة، كاتباً متميزاً، تميزت كتبه بالجنبة الاصلاحية، كما في كتابه (عقائد الامامية) الذي لا يزال يعتبر أهم كتاب في بيان عقائد الشيعة الأمامية وقد كتبه بطريقة واضحة وباسلوب علمي جميل، وكذلك كتابه (السقيفة) الذي يمثل رغم صغر حجمه مناقشة علمية لحادثة السقيفة والخلافة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، والكتاب يبحث أخطر مسألة وأكثرها حساسية بين المسلمين الشيعة والسنة باسلوب هادئ محايد كان الغرض منه عرض الحقيقة كما هي.
أما كتابه (المنطق) فيعد إنجازاً علمياً هاماً في مناهج الحوزات العلمية، إذ أصبح هذا الكتاب بديلاً عن الكتب القديمة في المنطق يدرس في كافة الحوزات العلمية.
_______________________
(1) المصدر السابق.
[351]
كما ألف كتابه القيم (أصول الفقه) الذي كتبه ليكون منهجاً دراسياً لطلاب كلية الفقه، وهو يُعدُّ الحلقة المفقودة بين كتاب معالم الاصول وكتاب الكفاية للشيخ الآخوند وقد فرض هذا الكتاب وجوده في مناهج الدراسة الحوزوية.
إن أهم إنجاز حققه الشيخ المظفر أنه إستطاع أن يفرض تدريس الكتب الجديدة في الحوزة العلمية التي كانت ترفض تدريس أي كتاب آخر غير كتبها القديمة، وبذلك فتح المجال أمام العلماء فيما بعد ليطرحوا نتاجاتهم العلمية المختصة بالتدريس في الحوزة، مثل كتاب (دروس في علم الاصول) للامام الشهيد الصدر. وفي تقديرنا لو أن الشيخ المظفر لم يطرح كتبه في الحوزة العلمية، لما يتيسر للشهيد الصدر النجاح في أن تكون كتبه منهجا ومادة للتدريس. وهكذا ظل المظفر رحمه الله حياً في وجدان الفكر العلمي الشيعي، وأشار إلى كل العلماء إشارة واضحة بأن الاصلاح التعليمي ضرورة لا بد منها في الحوزة العلمية من أجل حفظها وضمان بقائها حية معطاءة في ضمير الأمة وفي واقعها العام.
رابعاً: التوجيه التربوي ورعاية الشباب
يمثل سماحة الشيخ محمّد أمين زين الدين رحمه الله نموذجاً متميزاً في الحركة الاصلاحية. فقد ركز جهوده على طرح الفكر الإسلامي بطريقة
[352]
عصرية، وباسلوب جميل، يخاطب به أبناء الأُمّة من الشباب.
عالج الشيخ زين الدين، الكثير من القضايا العقائدية والتربوية والثقافية، وقد ابدع في طريقة معالجته العلمية الشيقة. وهذا ما جعل مؤلفاته تنتشر بشكل كبير في أوساط المثقفين والشباب. وأن تؤثر في قطاعات الأُمّة.
كان الشيخ (قدس سره) يكتب بطريقة هادئة بعيدة عن التكلف، فهو لا يميل إلى ا لعبارات المعقدة التخصصية، إنما يلجأ إلى تبسيط الفكرة، وعرضها باسلوب انسيابي فيه رقة العبارة وجمال التصوير، حتّى ان القارئ يشعر أنه يقرأ لأديب معاصر، أو استاذ متخصص في القضايا التربوية والاجتماعية المعاصرة وليس لشيخ كبير السن، وأحد الفقهاء في الوسط الشيعي.
والشيخ زين الدين، في حياته الاجتماعية، لا يختلف عن طريقته الكتابية، حيث يتميز بالوداعة والروح الظريفة الشفافة، والخلق الرفيع. فهو يترك أثراً كبيراً في نفس كل من يلتقي به ويزوره.
كان الشباب المثقف، وطلبة الجامعات، يقصدون زيارته بعد ان يقرأوا كتبه، فيعودون بصورة أكثر بريقاً من السابق. وتشدهم إليه عاطفة خاصة، مما دفع العديد من الشباب إلى أن يحرصوا على إجراء عقود الزواج على يده الكريمة.
وكان الشيخ يعالج قضايا العصر، ويقدم فكر الإسلام الاصيل لما يعانيه المجتمع من مشاكل وانحرافات، فقد كتب (إلى الطليعة المؤمنة) وهو الكتاب الذي لاقى صدى كبيراً في الأوساط المثقفة، حيث عالج فيه أهم القضايا الفكرية والثقافية والتربوية التي تهم الشباب، وقد ظل هذا الكتاب رائداً في بابه.
وعندما كانت ظاهرة التبرج تنتشر في المجتمعات الإسلامية، كتب كتابه الشهير: (العفاف بين السلب والايجاب) وكان معالجة تربوية واجتماعية لهذه الظاهرة، سجل فيها أفكاره البناءة بالاسلوبين المباشر وغير المباشر، فقد كان
[353]
رحمه الله يريد أن يبث الفكر الإسلامي وأخلاقه السامية في نفوس الشباب.
كما أصدر كتابه الرائع: (الإسلام.. ينابيعه، مناهجه، غاياته) الذي كان من أهم كتبه الرائدة، فقد عرض أفكار الإسلام بطريقة علمية هادئة وبالاسلوب الجميل الذي تميز به. وقد كان الكتاب موضع تداول الفئات الشبابية والمثقفة.
ولم يكن نشاط الشيخ زين الدين، ينحصر بهذا الجانب وحده، بل كان استاذاً بارزاً في الحوزة العلمية، وأحد فقهائها الكبار، له بحوثه العلمية ذات القيمة الكبيرة، وقد كتب رسالته العملية في عشرة مجلدات كبيرة تحت عنوان (كلمة التقوى)، مما يشير إلى مقدرته العلمية الرفيعة واسلوبه البناء في الطرح والمعالجة.
ترك الشيخ زين الدين (قدس سره) ثروة علمية وفكرية، في الوسط الإسلامي، واختط منهجاً في الاصلاح الثقافي والاجتماعي، له ريادته وعطاءه الثر. فقد حقق منهجه مكاسب مشهودة، رغم أن الظروف التي عاشها رحمه الله، كانت قاسية من حيث القلق السياسي والأمني، وذلك نتيجة الظروف الصعبة التي عاشها العراق، تحت حكم حزب البعث.